الهجرة
يقصد بالهجرة، حركة الحيوانات وهي ذات اتجاهين. اما المصطلح العلمي migration فهو من
اللاتينية حيث migrare بمعنى يغير محل اقامته (البياتي، 2008). والهجرة ظاهرة فطرية سنوية
ومستمرة تقوم بها العديد من أنواع الحيوانات، لكن تبقى الطيور هي المشهورة بها، حيث يهاجر سنويا
ما يقرب من المليارين من الطيور مرتين في العام قاطعة مسافات هائلة عبر الصحارى وقمم الجبال
العالية والمحيطات.
في العام 1899 قام المعلم الدانماركي Christian Cornelius بوضع حلقات حديدية حول اقدام
الطيور، لأول مرة، من اجل اكتشاف اين تختفي الطيور في الشتاء، ومنذ ذلك الوقت جرى تاشير حوالي
200 مليون طير. وبالرغم من انه لم تبقى الا كمية قليلة من هذه الحلقات الا انها أعطت معلومات هامة
عن مكان إقامة الطيور عبر الفصول. كشفت الحلقات في أرجل الطيور عن طرق هجرتها ولكنها لم
تكشف كيفية معرفة هذه الطيور للاتجاه الصحيح. للطيور المهاجرة هجرتان في السنة؛ الأولى في فصل
الخريف والثانية في فصل الربيع. وهكذا ففي كل ربيع وصيف تنطلق حوالي ثلث أنواع الطيور في
رحلات مختلفة الاتجاهات والمسافات؛ فالطيور في نصف الكرة الشمالي (أوروبا واسيا وامريكا الشمالية)
تسلك مسارا شماليا جنوبيا في الخريف متجهة إلى نصف الكرة الجنوبي حيث أمريكا الجنوبية وجنوب
افريقيا، وتسلك الاتجاه المعاكس في الربيع استعدادا للتزاوج وإنتاج الفراخ في مواطنها الاصلية. وتهاجر
الطيور في شمال أوروبا اما عبر تركيا أو مضيق جبل طارق، ويذهب كثيرا منها جنوبا نحو افريقيا.
فلماذا تهاجر الطيور؟ والى اين تذهب تحديدا؟ وكيف تهتدي إلى طريقها؟. هذه الأسئلة وغيرها شغلت بال
العديد من علماء الطيور وغيرهم، استطاعوا ان يجدوا أجوبة لبعضها، وبقيت معظم الأسئلة دون أجوبة
مقنعة.
تقوم الطيور وقبل موعد الهجرة بتبديل ريشها فيتساقط القديم ويحل محله ريش جديد غير متقصف أو
متكسر، كما تنفتح شهيتها للاكل فتقبل على الغذاء بشكل غير اعتيادي حيث يزداد الوزن إلى الضعف في
بعض الطيور (اما الطيور الثقيلة فلا تاكل كثيرا لان الزيادة في الوزن يمنعها من الطيران المستمر)،
وتختزن الكثير من الدهون حيث تتحول هذه إلى طاقة تواجه بها مشاق الرحلة الطويلة (وفي هذا الصدد
نقول، ان الطائر الصغير الذي يكتسب ما مقداره 8 جم دهون
يستطيع ان يطير حوالي 3000 كم بهذا الوقود، بمعنى انه يستطيع قطع الصحراء الكبرى بكل يسر).
وعندما يبدا طول النهار بالتغير فان الطيور تتاثر بذلك، ولعل اهم تاثير في هذا الجانب هو التغيرات التي
تحصل في الغدة النخامية Pituitary. كما ان تبدل الضوء يولد حافزا للهجرة، وهذا يفسر سر انتظام
الهجرة في وقت دقيق ومحدد من كل عام. يعتقد البعض ان الطيور تعرف طريقها ومن ثم تخزنه في
ذاكرتها بالتعرف على الجبال والانهار والوديان التي تمر بها خلال الرحلة. ولكن الذي یدحض هذا الراي
هو ان الكثير من الطيور تهاجر ليلا وفي ليال يغيب عنها القمر، كما ان الطيور التي لم تمارس الهجرة
سابقا تسلك نفس الطريق دون مساعدة الكبار. اما الراي الاخر فیقول ان الطيور تعرف مسالكها عن
طریق الشمس نهارا والنجوم ليلا، ولكن في بعض الأحيان يكون الجو غائما أو ممطرا أو عاصفا أو كثير
الضباب مما يتعذر على الطيور من مراقبة الشمس أو النجوم. ومن جانب اخر، فهناك من يرى ان الطيور
الأكثر خبرة هي التي تقود السرب اثناء الهجرة حتى تستفيد البقية ذوات الخبرة القليلة من هذه التجربة.
هذا الراي وان كان مقبولا مع طيور تعيش بطريقة اسرية أو مجموعة واحدة مثل الوز، الا انها لا تنطبق
على طيور أخرى تهاجر فيها الكبار قبل الصغار أو الذكور قبل الاناث. اما اخر هذه النظريات فهي تتحدث
عن وجود نسيج صغير جدا في مخ الطير لا يزيد عن نصف ملليمتر مربع له القدرة على التاثر وتحسس
المجال المغناطيسي للكرة الأرضية الذي يزداد كلما اقتربنا من القطبين ويقل كلما اقتربنا من خط
الاستواء. ومن اجل اثبات هذه الفرضية قاموا بوضع بعض المؤثرات الصغيرة التي تعكس التيار
المغناطيسي فوق راس الطيور ومن ثم اطلقوا الطيور فكانت النتيجة انها اتجهت عكس الطريق الصحيح.
وهنا تبرز ملاحظة وهي؛ هل يستطيع الطير فعلا ان يميز الفوارق الدقيقة جدا والتي تطرا على المجال
المغناطيسي للكرة الأرضية؟. مثل هذا التساؤل قد يحتاج إلى المزيد من البحث خاصة اذا عرفنا ان
انحراف الطير بمقدار درجة واحدة فقط فانه قد يبعده مئات أو الاف الكيلومترات عن الهدف المطلوب.