فاطمة2 لمن لم يتابع الجزء الأول http://www.startimes.com/f.aspx?t=36498010 تعلقت كثيرا بصمت والدتي الطويل , وآمنت في رحلة طفولتي بجانبها بأن صمتها لا يخفي إلا صلابة وحكمة بالغة , أحببت بساطتها وطيبتها ومقاومتها للظلم الهائج بنفس هيجانه. وفي طريقها معي إلى المدرسة أحيانا كان يوقفها كل شجار بين التلاميذ وتتدخل لحماية الطرف الضعيف , جلبابها الأزرق لا يوحي بالفقر ولا بالثراء, بقدر ما ينم عن قناعة وروح مرفرفة. أما عبد الواحد ......... عفوا أقصد أبي, فكان ثرثارا كبيرا ومازحا في غير أوقات المزاح . ولأنه أكثر علي من الضرب والتعليق من الخدود فقد كنت أشتكيه دوما لوالدتي وأختفي خلفها مباشرة بعد وصوله المنزل, كنت أعرف أن أول شيء سيفعله هو البحث عني وتسميمي براحة يده على وجهي, وأذكر يوما أنه ركلني ركلة أوقفت أنفاسي لأني ناديته باسمه المجرد عبد الواحد. وقال حينها موجها خطابه لوالدتي : -هل أنا أبوه أم أدرس معه في القسم .............. هكذا عبد الواحد مجردة . ثم غادر وهو يضرب كفا بكف ويلعن تربية والدتي لي والدتي زينة كانت تحبه حبا عظيما , وكنت متأكدا من ذلك للغاية ولا يخلو حديثها من تمجيد لبساطته وثقته الكاملة فيها . وفيما بعد سأعرف أنهما قطعا معا أشواطا صعبة وفقرا مدقعا قبل أن يؤول بهما الحال إلى ما هما فيه من بحبوحة ويسر. أما فاطمة فليست إلا روحا مرحة و عبقا مجيدا أينع وسطنا , وقد تعززت علاقتنا بها وصار وجودها أمر لا تخلو منه صفحات أيام طفولتي, وحين تسللت إلى منزلنا أشرقت شمس أخرى دافئة في البيت إلى جانب والدتي البهية, وعلاقتها بها تقوت أكثر وأصبحت تلازمها كظلها وترافقها في الغالب إلى المدرسة وكانت تقول: بمرافقتي لها سيعرف الجميع أن لها سندا وأما ولن يجرؤ أحد على مضايقتها ثم انطلقت بينهما علاقة متينة للغاية , وآمنت أن غرفة أخرى فتحت في قلب والدتي من أجل فاطمة , فتغيرت حالها بكثير , وأصبحت محط عناية كبيرة منها, ولم تعد أبدا ترتدي ملابس الذكور ولا صنادل البلاستيك ,كما أصبحت لها محفظة جميلة مما تستعمله النساء الكبيرات , وحالها في القسم تطور من حسن لأحسن مع ابتسامة حنونة لا تفارقها أبدا. ولأنها لم تعد تفارقنا فقد أحببت عينيها السوداوتين الواضحتين, وكنت أحيانا أناديها عيني البوم دون أن تنزعج مني , وغاية ما أذكر منها وجهها المدور الصبيح, وشعرها الجميل ومناداتها لي بريوض عوض إسمي رياض , وقد واتتني الفرصة يوما فقلت لها مازحا: -يوما ما ستكونين فتاة جميلة للغاية . فرمقتني بنظرة سأعرف فيما بعد أنها نظرة تحوط وحذر من كل شيء وأدركت بعدها كم كانت خائفة ومتوجسة رغم بسمتها المضيئة . فاطمة أصبحت جزءا من والدتي وجزءا من عائلتنا ,وعبد الواحد انتهى به الأمر إلى اعتيادها بالمنزل ولم يكن حديثه إليها يزيد عن كلمتين -كيف حالك وكيف حال عباس. فتجيب فاطمة بحياء بالغ - بخير عمي إنه يقرئك السلام وفي أحد أيام شهر رمضان لحقته والدتي إلى غرفته فتبعتها مستطلعا وسمعتها تقول: -فاطمة صائمة هذا اليوم من رمضان وأريدها أن تفطر معنا فيجيب أبي : -لابأس بالأمر ثم تضيف ولابأس أيضا أن نرسل الفطور لعباس فهو رجل وحيد -لابأس ....لا بأس والدي عبد الواحد كائن غريب ولا أستطيع تشبيهه إلا بموجة رمال راكضة وصامتة لا تعرف بتاتا ما تحتها , وقد تتحرك الرمال لتتمخض عن أرنب قابع ولطيف أو تتحرك لتتمخض عن تمساح غاضب و مكفهر........ لا فرق بتاتا , ويصعب التنبؤ بالمخفي صعوبة معرفة الغيب .. وبين سماعه لأسطوانات أم كلثوم الطويلة وأسطوانات الأغاني الشعبية مما يداع بالأسواق كان من الصعب بمكان تحديد صنفه ..... وأي الأشخاص هو ... لكنه أحب كثيرا فاطمة , وقلت مع نفسي أن الوقت لن يطول ليعترف بحبه لتلك الفراشة . ومضت أيام وشهور من حياتي الزاهية رفقة فاطمة المنيرة و زينة الطيبة وعبد الواحد الغامض ,لاعبت فاطمة كأخت شقيقة , واستظهرت معها كراريس الدراسة , وسعدت بمرافقة والدتي لنا في الطريق , وهو أمر لم أكن أنعم به سابقا . ثم حل عيد الفطر, وكانت والدتي قد أقسمت أن تخيط جلبابا تقليديا لفاطمة وأن تحتفظ به في السر وتفاجئها به يوم زيارتها لنا في العيد . لكن فاطمة لم تحضر رغم أن العيد المنتظر قد حضر وطال الغياب وطال معه الانتظار والدتي تملكها الفضول وجزء من هلع قديم , فأرسلتني أستطلع الأمر وأناديها, فيما عبد الواحد طلب مني ألا أدخل وأن أكتفي بندائها أمام المنزل لكني عدت خائبا إذ ما من مجيب رغم أني كنت أسمع صوت فاطمة بالمنزل. ثم طال الوقت إلى ما بعد الظهيرة وبعد إلحاح من والدتي وتوسل منها حمل أبي صحن حلوى ودفعني أمامه قائلا - تقدم أمامي فأنت سبب كل هذا فسبقته كالطائرة جريا إلى منزل فاطمة متجاهلا صراخه ونداءه إلي بالتوقف , ووقفت أنتظره أمام الباب فبلغني لاهثا وأغرقني سبا ,ثم طرق على الباب المفتوح عدة طرقات دون أي مجيب وبدافع الفضول دفع الدفة الخشبية فسبقته وأنا أنادي : -فاطمة فاطمة ثم تسللت إلى الداخل فوجدتها تجلس إلى رأس أبيها عباس المدد على السرير دون أي حراك أدركت أن الأمر جلل ووجدت أبي بجانبي ثم سمعته يردد وهو يضع يده على وجه عباس - لا حول ولا قوة إلا بالله فيما فاطمة غارقة في موجة بكاء لا تنتهي جنازة عباس حضرها رجال زقاقنا والأزقة المجاورة ,وكانت جنازة مهيبة لرجل عاش متسللا مارقا ومات عظيما مكرما.. وبكى فيها الجميع ممن عرفوه منهم من بكى لعباس وصمته و ما عاينه من فقر بعد دخوله إلى منزله ومنهم من بكى لفاطمة ذات البسمة المتألقة دوما ,والعينين المشعتين ,وقد قص جناحها المسدول, وأصبحت طيرا بغير جناحين. و في تاريخ ذاكرة حينا المشهود ,حفر حدت غير منسي أبدا وهو جنازة الفرناتشي عباس , وقد مشى فيها الجميع خلفه إلى متواه الأخير مرددين صبره وبسالته ويقينه ومتأسفين على حاله المزرية التي لم ينتبهوا لها أبدا . وقد قال عبد العزيز خالي وهوغير قادر على حبس دموعه: رغم قله ذات اليد عاش عباس شهما قنوعا وها هو يلحق زوجته وابنه تاركين خلفهم فاطمة. عباس كان طيفا هائما في حينا نراه صباحا ومساءا , وأحيانا رفقة ابنته أمام محل البقال ,يقتنيان ما يلزمهما ويختفيان معا إلى منزلهما . نظراته كانت جامدة للغاية ونحول جسده لم يمنع شاربا كثا من التدلي أسفل وجهه وإلى غاية عنقه , وليس بينه وبين فاطمة أي شبه عدا نظراتهما الشاردة , وبسمتهما المودعة , ويوما قال حين وجدني ألا عب فاطمة: -هل أنت رياض إبن سي عبد الواحد أجبت وخوف شديد يتملكني -نعم سيدي ابتسم ومدني بدرهم كامل وقال لي -أقرئ أبوك السلام والتحية الطيبة وأقرئ أمك زينة دعائي لها بالرحمة ودوام الصحة والعافية يتبع بقلم سبايدر
|