ايفون 7
وقف ساكنا مستندا على حائط منزل وهو ينفث الدخان من فتحة منخرية بقوة وعيناه تراقب المنزل المقابل وقد سرح في خياله وهو يتذكر المحادثة التي دارت بينه وبين صديقه " في هذا المنزل تعيش عجوزا تجاوزت السبعين وكل 27 من كل شهر تاتي اليها حوالة مالية من ابنها الساكن في هولندا , قريبي الذي يعمل في مكتب الحوالات يقول عنه انه مبلغ محترم . هي عجوز قليلة المصاريف مؤكد انها تنفق منه القليل وتحتفظ بالباقي تخيل كمية المال في منزل هذه العجوز , انها فرصة لاتعوض ... لاتنسى مناصفة المبلغ معي "
" اجل ..لكن .. "
" مابك متردد ... وكانها اول مرة لك تسرق فيها "
" ان اخبأ علبة سجائر تحت ملابسي وانا قادر على دفع سعرها فقط من اجل المتعة يختلف تماما ما تطلبه مني .. هذا اقتحام منزل وسرقة حقيقية .. ثم ماذا ان احست العجوز بوجودي ؟!! ماذا افعل وقتها "
" لاتشغل تفكيرك كثيرا بهذا الامر .. عمرها فوق السبعين اتعرف ماذا يعني هذا .. ان احضرت فرقة روك وعزفت امام سريرها لن تستيقظ وكذلك ان جميع اضواء المنزل تطفأ ب السابعة مساءا .. جدتنا هذه تنام مع عصافير المنطقة ههههههههههه "
" لكن امي تقول ان هذه العجوز متكفلة بمجموعة من الايتام وهي تنفق عليهم وربما .. بل مؤكد انها تصرف عليهم من مال الذي يصل اليها من ابنها "
" وماذا يعني ؟!!"
" اتريد مني سرقة اموال الايتام ؟"
" وانت يتيم ايضا .. الم يمت اباك السنة الماضية .. رحل عنك وانت بالسادسة عشرة .. حرمت من حنانه وعطفه " انهى جملته وهو يحرك باصبعيه اشارة للمال ثم اردف يكمل كلامه لاقناع صديقه " انت لن تسرق انما تسرع من الحصول على مالك من طابور طويل من الايتام ثم لاتنسى انك تسرق لغاية مهمة وهي صون كرامتك .. والغاية ياصديقي تبرر الوسيلة , لولا عودة ابي الغير متوقعة من رحلة عمله لكنت رافقتك تعرف هذا الوغد عندما يكون بالمنزل لايسمح لي بالخروج ليلا "
افاق من خياله على صوت منبه سيارة قد دخلت الشارع ليهم بمغادرة المكان كي لا يثير الشبهات وقد عقد العزم على السطو على منزل العجوز الليلة
في ظلمة الليل البارد وقف بالقرب من عمود انارة الشارع ليستعين بضوئها الخافت لمعرفة الوقت نظر الى ساعته وقد قرب معصمه بالقرب من وجهه كانت عقاربها تشير الى الثانية عشر وعشر دقائق , رمى السجارة التي بيده الى الارض ليطفئها برجله بعد ان سحب منها نفسا طويلا , ارتدى القناع الصوفي الاسود لتخرج منه عينيه البنيتين فقط التي كانت نظراتها مشتتة بين توديعها لاخر عذرية شقاوة الطفولة الى استقبال مرحلة النضج الاجرامي وبين نظرات الحماس والخوف والطمع
بعد تسلقه حائط المنزل توجه بخطوات رشيقة الى نافذة احدى الغرف ليكسرها ويسحب جسمه النحيل الى داخل البيت
بعد ان حطت قدمية الى الداخل شعر بنشوى غامرة وهي يقول لنفسه " ها انا داخل بيتها " وبينما كان يتفحص المحيط لاحظ ان هناك ضوء ينبعث من احدى الغرف شعر بقليل من الخوف واستمر بالتقدم باتجاه الضوء
" انه ضوء مطبخ المنزل ربما العجوز شعرت بالعطش وذهبت لشرب الماء .. اللعنة يفترض ان تكون نائمة .. مالعمل الان " كان لسان حاله يردد الكلام
بقي واقف بالقرب من المطبخ مختبائا ليراقب تحركات العجوز , الغريب انه لم يصدر اي حركة هناك طوال فترة مراقبته عندها قال في نفسه " ربما نسيت الضوء مفتوحا وعادت لغرفتها " تملكته الشجاعة ودخل المطبخ ليرتعب من المنظر الذي شاهدته عيناه
العجوز مرميتا على الارض بلا حراك وقد غرقت بدمائها .. تزحلقت العجوز نتيجة بعض قطرات الماء على الارضية ليرتطم رأسها بمقدمة مائدة المطبخ لتسقط مغشيا عليها والدماء تدفقت كالنهر من مقدمة رأسها وهي على هذا الحال لساعات
وعندما ذهبت عنه الصدمة وتمالك نفسه وشعر بخطورة الموقف الجديد , قرر الفرار والابتعاد عن هذا المكان بقدر مايستطيع , استدار ليخرج واذا كنزته الصوفية تشبكت باحدى درج خزانات المطبخ سحبها بقوة لتسقط نتيجة لذلك صورة كانت موضوعة على سطح الخزانة الخشبية , نظر للصورة ليرى مجموعة من الاطفال مبتسمين للكاميرا توسطتهم العجوز التي حاطت بذراعيها المترهلة والنحيلة مجموعة الاطفال الواقفين امام مبنى كانت لافتته "دار الخضر لايواء الايتام"
دخلت رعشة جسمه واخذت عيناه تتبادل النظرات بين الصورة الملقية على الارض وبين العجوز التي اصطبغت بدمائها
...وكأن الاطفال مدت ايديهم للامساك بكنزة الفتى ...
بقي واقف لبرهة من الزمن ثم استدار صوب العجوز ليحملها على ظهره
... استجاب الفتى لستغاثات الاطفال ....
" تحملي قليلا جدتي .. سأخذك للمستشفى .. فقط قليلا " كان يردد هذا الكلام وقد فاضت عيناه بالدموع والعجوز على ظهره النحيل , خرج من المنزل واخذ يركض وهي على ظهره طوال الشارع لحين ما وصل لموقع الذي وضع فيه دراجته النارية وتوجه عند اقرب مستشفى صادفها بطريقه
جلس على احدى كراسي الانتظار في المستشفى وهي يهز بأحدى برجليه بقوة ويبكي ويضرب رأسه بيده .. " هل كنت انوي سرقة العجوز التي تساعد ... ولاجل ماذا ... " يبكي بحرقة وعندها سمع صوت الممرضة تتكلم معه
" جدتك بخير .. الحمد الله الأشعة المقطعية بينت سلامة الرأس من أي إصابة خطيرة، وأجريت خياطة محل الضربة بـ 10 غرز ... توقف عن البكاء الان .. هل ترغب برؤيتها ؟ هي الان نائمة نتيجة المخدر غدا صباحا ستفيق بأذن الله"
"اجل " اجاب الفتى
وبعد لحظات رافقت الممرضة الفتى لغرفة العجوز. جلس بقرب سريرها وامسك بيدي العجوز والدموع تفيض من عينيه
" اسف لاني اقتحمت منزلك .. اسف حقا .. اسف .. ونادم اشد الندم .. صون كرامتك .. يجب عليك ذلك .. تملكتني تلك الفكرة لمدة ودفعتني لافكر بالسرقة .. فالكرامة التي تصان بالمال تباع بالمال ايضا .. انا محق اليس كذلك .. تعرفين ماهي قيمة كرامتي جهاز ايفون 7 الجديد !!! تعجبين من كلامي صحيح او ربما لم تفقهي مااقول ... المشكلة هي ان كل اصدقائي اشتروا الجهاز فوره نزوله للاسواق الا انا ... اصبح من الصعب مصاحبتهم .. امي لا تشعر بالاحراج الذي اعانيه يوميا .. هذا كان تفكيري .. لم افكر يوما ب امي .. امي التي اصبحت مسؤولية العائلة كلها عليها بعد وفاة ابي وبدل ان اكون ابنا بارا تمردت عليها .. اصرخ بوجهها ولا اسمع كلامها تنمرت على اخوتي الصغار وصاحبت رفاق سوءا ادخن السجائر واكسر واحطم " توقف عن الكلام لفترة ثم مسح دموعه وعاود الكلام مع العجوز النائمة
" انا لااستطيع ان اصلح نافذتك التي كسرتها لكن اعدك اني من هذه اللحظة ساأكون ابنا بارا لامي واخا كبيرا ومثلا اعلى لاخوتي وساترك رفقة السوء والتدخين وكل العادات السيئة وساأحاول ان اصلح من درجاتي .. اعدك بذلك.. انا عمار حسن اعدك بذلك " قبل يدها وخرج
بعد مرور شهرين على اقتحام منزل العجوز يدخل المدرس للصف وقبل ان يبدأ بحصته " عمار الى مكتب المدير هيا بسرعة لا تعطل الدرس "
يدخل عمار لمكتب المدير
" عمار هناك شخص يرغب ب لقائك " واشار المدير للشخص الجالس , نظر عمار واذا العجوز جالسة هناك ليتجمد مكانه " لقد عرفت من اقتحم منزلها وحاول سرقتها " قال في نفسه وقد شحب لونه وهو يفكر بعاقبة افعاله , ليخرج المدير من مكتبه تاركا العجوز وعمار فيه
" كيف حالك بني " تكلمت العجوز
كانت هذه اول مرة يسمع فيها صوتها واكملت كلامها " اجلس بني لا تخاف .. لقد تطلب مني شهرين لاجدك .. عمار حسن .. اتعرف جائني احد الجيران بعد خروجي من المستشفى ليريني فيديو التقطته كاميرت مراقبة منزله , انه فيديو مضحك للغاية عن فتى نحيل يحمل عجوزا على ظهره ليضعها على دراجته النارية وقد ألبس راسها الدامي خوذته .. هههههه لماذا فعلت ذلك ؟ "
تيبس لسان عمار في حلقه ولم يستطع ان ينطق كلمة , لتعاود العجوز ذي الروح المرحة الكلام
" لقد قابلت والدتك .. انها سيدة عظيمة .. زرتها في مكان عملها وتحدثنا عنك اخبرتها عن بطولة ابنها وكيف انقذني عندما سقطت بالشارع وارتطم رأسي بالرصيف .. اخفيت بعض التفاصيل الصغيرة لتكون سرا بيننا , اخبرتني انك تغيرت كثيرا خلال الشهرين الماضيين اصبحت تعود للمنزل مبكرا وتحسنت علاماتك واصبحت ابنا مطيعا واخا كبيرا محبا لاخوته الصغار شكرا لك بني لايفائك بوعدك .. صحيح كنت نائمة لكني سمعت كل كلمة قلتها لم اكن اقوى على الاستيقاظ لامسح دموعك , اه .. طلبت من والدتك ان تسمح لي بأن اعطي منقذي هدية , عيد ميلادك يصادف الاسبوع القادم اليس كذلك ؟ هذه لك " لتخرج من حقيبتها علبة مستطيلة
توسعت مقلة عيني عمار حتى كادت ان تخرج من محلها , ليرد عمار عليها اخيرا
" انه ايفون 7 "
تمت //