وحدهما .. في المكتب !
كانت تمشي لوحدها في الشارع ، تلتفت يميناً وشمالاً ، وأحياناً نحو الوراء . قلما كانت تنظر أمامها ، لعلها كانت دائماً تنتظر قدوم أحدهم نحوها من الجهة الخطأ ، في الواقع هي من كانت تفتش عنه، تبذل كل ما بوسعها لجذب أي رجل محتمل . وكثيرون هم أولئك الذين نجحت في جذبهم ، لكنهم مع الأسف ، ليسوا من النوع الذي تريد . ذاك الصباح ، كانت ترتدي قميصاً صيفياً أنيقاً مفتوح الصدر ، وبنطلوناً أسوداً يضيق كلما ارتفع . من بين من استدرجتهم خطئاً بمشيتها المتذللة وطريقتها المائعة في الثرثرة على التلفون ، كان سائق التاكسي الذي استقلته لوجهتها .
ـ ـ ـ ـ كانت في المقاعد الخلفية تضع أحمر الشفاه وشيئاً من الماكياج الكثيف على وجهها ، وأحياناً تتفحص هاتفها الذكي بعينين غارقتين في الخيالات . أحس السائق ، بما رقبه من المرآة الأمامية ، أنه مستهدف بطريقة ما . وصلا الى وجهتها ، حاولت اخراج ثمن الرحلة من حقيبتها لكن السائق كان أسرع وفتح لها الباب ، وقال لها : "لا يمكنني تسلم المال منك .. سيكون رائعاً لو اكتفيت بورقة فيها رقم هاتفك فقط!". وبالفعل ، رمت في وجهه ورقة لكنها كانت نقدية وانصرفت ! مشت سريعاً نحو وجهتها وهي تكاد تختنق من حظها العاثر الذي لا يرسل لها غير البؤساء ! ـ ـ ـ ـ دلفت العمارة العالية ، استعملت المصعد المتحرك ، في تلك الثواني القليلة متنقلة بين الطابق والطابق ، كان جنبها مراهق تبدو عليه علامات الخجل والتطلع ، نظرت اليه مبتسمة في لامبالاة ، لكنه كان يبدو كمن سكر في خياله غارقاً في ألف حديث ومشهد حد الثمالة . تركته مع آخرين في المصعد الصاعد ونزلت في الطابق السابع ، وتوجهت مباشرة نحو المكتب المقصود . استأذنت بالدخول ، رحب بها الجالس على الكرسي بابتسامة وإيماءة ترحيب ، كان يبدو منشغلاً جداً . ـ ـ ـ ـ كان شاباً يبدو أنه في أوائل الثلاثينات ، يضع نظارة طبية أنيقة وربطة عنق غير محكمة الاغلاق . جلست على جانبه الأيسر، لم يمنحها فرصة الحديث إلا بعد دقائق طويلة ، كان منهمكاً في التدوين والتقليب برشاقة بين الأوراق الكثيرة على مكتبه . إغتنمت الفرصة لتتأمل جلياً جمال ذلك الوسيم الذي لا يفرقها عنه أكثر من نصف ميتر ، ففي غمرة الصمت والخلوة والتجاهل ، كانت فرصتها لتقيَم شخصيته وملامحه حتى دون أن يُلاحظ ذلك ، أو أن يُبدي أنه فعل . " كيف يمكنني أن أخدمكِ سيدتي ؟ " .. كان سؤالاً مباغتاً أيقظها من شرود عميق ، وأصابها بارتباك نسيت معه حتى الغرض الذي جاءت له أصلاً ! محاولتها للتفكر وقتل النسيان أحبطتها نظراته الهادئة المتفحصة .. إلتقت عيناها بعينيه لبرهة ، و إذاك ، حدث التماوج الصعب .. ظل ينظر إليها ويبتسم . ابتسامة قد تبدو عادية لكنها أخذتها وهي وحدها معه نحو عالمٍ آخر ، فقدت معه أي قدرة على التحكم والإحساس . عالمٌ انسابت معه واستسلمت لإيهاماته حتى انتاب جسدها قشعريرة غريبة حينما أحست بكفه على يدها . لمسةٌ غيرت الكون من حولها ، وجعلت خلاياها السعيدة تستيقظ من سباتها العميق ، على أن خلايا العقل كانت أقوى ، حينما سمعت منه وقد ترجل من كرسيه: " من الواضح أنك في حاجة الى بعض الراحة ، أنصحك بالتوجه الى طبيب نفسي خبير " ! ..
تمت زكريا الشافعي
|