الفصل الثالث عشر :
بعض الكلمات لا تقال بل تدفن في مقبرة افكارنا فتخرج ليلا و إذ هي حية لتطرق باب منزلنا بشدة ..نسرع لفتحه ..و كعادتها تعلق معطفها على المشجب ... تجلس على الاريكة بكسل.. ترتشف شايها تارة و تجادلني الرأي تارة اخرى و هكذا...اسمع صدى اصوات تأبى السكوت كما تأبى الا ان تستقر داخل احشائي فتنتشر كفيروس الى كافة انحاء جسدي و بذلك تغزو تفكيري و تحارب النوم من جفوني فينقطع عشرات المرات في الثانية بين "لو" و "لوما"..
نحن نجعل هذه الجمل بكماء لاننا لا نتخيل انفسنا جادرين بقولها و لا نتصور انزيمنا يفرز حروفا كهذه الحروف ، نحن نخبئها وراء ظل الصمت لأن للكلمات امكانيات هائلة تمكنها من رسم ابتسامة على ثغر سامعها كما تمكنها من جرح قلبه و جعله ينزف دما!
نهضت باكرا اطلب من الحب طاولة لقاء و لكن سرعان ما راودتني فكرة " أيمكن ان تغيب عندما حضرت كما انا غبت لما انت اتيت ؟ " انه شيطان الحب إذن يوسوس لنا بأفكار و تساؤلات عادة لا تكون لها محل من الاعراب لدى اشخاص غير مصابين بداء العشق !
اختفت كل تلك التساؤلات لما ابصرتك تقرأ كتابا بكل هدوء ، أإتخذت الكتاب نكهة قهوتك الجديدة ؟
اقتربت ببطئ محاولة عدم تشتيت انتباهك بينما استرق النظر الى الصفحة التي جعلتك تغرق في معانيها
"أشهد أن لا امرأة ً
تشبهني كصورة زيتية
في الفكر والسلوك إلا أنت
والعقل والجنون إلا أنت
والملل السريع
والتعلق السريع
إلا أنت ..
أشهد أن لا امرأة ً
قد أخذت من اهتمامي
نصف ما أخذت
واستعمرتني مثلما فعلت
وحررتني مثلما فعلت
"
استدرت فجأة سائلا اياي ما اخباري و امام ارتباكي و ذهولي قلت لك
-لم تبدو مندهشا لرؤيتي ..
-لم سأندهش طالما ادري انك هنا ؟
-هل تملك عينا ثالثة لا اراها ؟
-احب سذاجتك المصطنعة.. لقد عرفتك من رائحة عطرك
-و ما الذي جعلك واثقا انها لم تكن انثى اخرى ؟
-عطرك يا سيدتي اميزه بين الف عطر
طأطأت راسي خجلا ثم قلت :
- و لكنه يباع بالمحلات فبإمكان اي فتاة وضعه!
-بعض العطور صنعت من اجل امرأة واحدة دون الاخريات!
وحده كلامك يخجلني فتحمر وجنتاي كأنها اصيبت بصقعة شمسية ، وحده كلامك يحتويني ، يخرجني مني لاندمج بحروفك ، وحده كلامك يبهجني كطفلة قدم لها غزل بنات و وحده كلامك يغذيني حبا ،يرويني عشقا فهو نبضة قلبي ان اضطرب و النسمة التي اتنفسها و هو الامل الكاذب و الوعد الخائن !
نعتني ثانية بالساذجة و لكن بلغة اهذب و ارقى فمرة افصحت بأنني لست الا فتاة ساذجة و الآن تخبرني بثلاث كلمات انك تحب هذا الجزء الغبي مني ، فهل بإمكاني الفرح الآن؟
لو كانت هذه الكلمات مقتبسة من قاموس غير قاموسك و اتخذت مجرى غير بلعومك لربما انقضت الآن على حلق قائلها و لكن... نصف الابتسامة التي تلبسها شفتيك و الجنة التي تختبئ وراء كواليس عينيك جعلتني انصهركقطعة جليد و لم يكن بمقدوري سوى الفرار من سحرها.
لطالما احببت الصمت و حكمته البليغة ، لطالما جالسته ليلا بينما الاخرين في نوم عميق او رافقته في وضوح النهار لنسخر من ضجيج الشوارع و نميمة البشر و لكن صمتك هذا يقلقني ، يخرجني من طوري خاصة عندما تقول لي كلاما اشبه بالغزل فما فائدة تزيين حروفك اذن ما دمت ستقرر دفنها و هي ما زالت حية ..؟
اخبرني .. هل تفهم الان ان صمتك قاتلي التسلسلي ؟
احرقت فتيل صمتك لعلي اجد الطريق الى وعيي :
-هل كنت تقرا لنزار ؟
نظرت الى الكتاب ثم اجبت :
-نعم ، لم تسألين ؟
-نزار شاعر المراة و الحب فهل انت عاشق ؟
-لا ادري !
ما يؤلمني حقا هو ان اتقرب منك بصفة صديقة عزيزة تتجسس على قراءاتك لا غير بينما قلبها ، عيناها ، رموشها ، ضحكاتها ، خجلها ، حركاتها و سكناتها كلها لك ثم تخبرها ..تلك الممثلة البارعة في اخفاء حبها انك "ربما" وقعت في الحب !
تلعن حظها لانها سألت سؤالا بسيطا فعادت بكم هائل من الاسئلة ...و من الحزن !
و لانك لم تقل لها " لا" او "نعم" كما كان من المفترض ان تجيب بل قلت لها "لا ادري" تركتها تائهة في حيز جوابك و لم يستيقظ قلبها من الصدمة بعد..!
تتعثر كلماتها عدة مرات محاولة تركيب جملة لن تورطها اكثر ..
-و هل اعرفها ؟
-ربما ..
متى يا ترى تعلمت حروفك لعبة الغميضة ؟ ومتى اصبحت مشاعرك مجهولة بالنسبة لك ؟ لم يكن بوسعي سوى التبسم بالم بينما دموعي على حافة السقوط تتنافس و صدري يضيق اختناقا و كأنني تركت على سطح المريخ لعشر دقائق دون مزود اوكسجين و بينما يجري قلبي في ماراتون الغيرة جمرة الحب تكويه و تكويني !
دخلت المؤسسة دون ان اضيف اي كلمة اخرى خشية ان تتغير نبرة صوتي و كأن دوعي تتحداني اما ان اخرس او تفضحني ..
لحقت بي و كانك مصر على مشاهدتي و انا استسلم للحزن طوعا .
سألتني متعجبا ما الذي اصابني كي اهرب هكذا ؟ ليتك تعلم انك من اصبتني !
هززت بكتفي و كانني صائمة عن الكلام فاجبتني ساخرا
-هل بلعت لسانك ؟
و هذه المرة رفعت حاجبي ألا بينما عيناي حزينتان يائستان تنظران اليك، لا تلمعان فرحا لرؤيتك و لا ابتسامتي تستيقظ من سباتها بمجرد مجيئك .
تضع سبابتيك على طرفا شفتي لترفعهما للاعلى قائلا :
-تبدين بشعة ، هلا ابتسمت قليلا حتى تصبحي جميلة ؟
ابتسم مكرهة لعلك تسمح لي بالتنفس فقربك هذا يقطع نفسي و لكنك ما زلت هنا محملا ببعض الكلمات الرقيقة :
- لا تحزني ابدا لانك تضحكين بشكل جميل للغاية فعندما تضحكين تصبح الدنيا مكانا اجمل
لا تصلني حروفك فورا فما زلت تحت تاثير لمساتك ..
لا تلمسني كي لا تشتعل نار الحب في اعماقي و تلتهب جاهدة تحويلي الى رماد و عندما يتلاشى نبض قلبي تصرخ هل من مزيد ؟
لا توزع اصابعك على خدي فلمساتك هوس لا تترك ملاحقتي و جنون افقد عقلي سلامته !
لا تترك بصماتك المكهربة على شفتي فاسكر منها و يقشر جسمي حبا لك و خوفا منك
لم افهم بعد لماذا يرتجف قلبي و كانه استحم بماء بارد و ترتعش يداي و كانني مصابة بالباركنسون كلما اعلن لسانك خطابا جديدا على الرغم من علمي ان قلبك ملك لاحداهن ؟
على الرغم من حبي الكبير فانا لا اريد ان اسرقك من اخرى تلك التي ربما فتنت بعينيك بعدي !
شعور مايعاتبني و حضوره الليلي هذا يزعجني فانا احس ان نظراتك الي ، لمسك ليدي و كلامتك الحبلى غزلا محرمة علي !
و كلما تذكرتك تصورت امراة بجانبك .. هذه تناسبك في المظهر و تلك تشبهك في المزاج و بما انك دائم التجوال في ذاكرتي فعلى الاغلب خلقت لك الف امراة و امراة !
فؤاد يضطرم لوعة و أسى و ألمي لا تخمد نيرانه ..
هل الحب يقتل يا ترى ؟
لأنني أشعر و كأنني ألتفظ آخر أنفاسي ..