حكاية انثى منكسرة - بقلمي - القصة كاملة
ط¢ط®ط±
ط§ظ„طµظپط­ط©
Youssef EL MANNIOUI
  • ط§ظ„ظ…ط´ط§ط±ظƒط§طھ: 32
    ظ†ظ‚ط§ط· ط§ظ„طھظ…ظٹط²: 76
ط¹ط¶ظˆ ط¬ط¯ظٹط¯
Youssef EL MANNIOUI
ط¹ط¶ظˆ ط¬ط¯ظٹط¯
ط§ظ„ظ…ط´ط§ط±ظƒط§طھ: 32
ظ†ظ‚ط§ط· ط§ظ„طھظ…ظٹط²: 76
ظ…ط¹ط¯ظ„ ط§ظ„ظ…ط´ط§ط±ظƒط§طھ ظٹظˆظ…ظٹط§: 0
ط§ظ„ط£ظٹط§ظ… ظ…ظ†ط° ط§ظ„ط¥ظ†ط¶ظ…ط§ظ…: 4419
  • 01:54 - 2014/02/01

حكاية انثى منكسرة

  


-الجزء الأول-

 

 

صباح يومٍ ممطر .. أخذت ترشف قهوتها الصباحية على إيقاع سيمفونية المطر .. قهوة مُرة .. لا بأس .. فقد اعتادت مرارة الحياة ..

حياة صاخبة .. شارع مزدحم .. ضجيج سيارات يصم الآذان .. لا يهم .. فمشاكلها اكبر من أن يزعجها شارع يفقد خصلة الاحترام ..

احست بثقل همها .. وضعت راسها على نافذة الغرفة .. تمنت لو ان للنافذة حضن يضمها، يدفئها وينسيها برودة الشتاء .. يحنو عليها فيحرسها من كيد الكائدين .. يطمئنها ويجعلها في مأمن من اعدائها الكثيرين ..

كانت مجتهدة في دراستها .. متفوقة في مسارها .. مركزة على هدفها .. طموحها .. يعلوا ولا يعلى عليه .. مذ ان كانت صغيرة تعلمت اقبار مشاعرها .. فالمشاعر الرقيقة صفة الفاشلات .. أمها فاشلة في نظرها .. ماتت بعد ولادتها مباشرة .. لا تعرف عنها سوى كلمات قالهم ابوها في لحظة سكر .. امك كانت ضعيفة الى درجة لم تستطع تحمل الم ولادتك .. كلمات قاسية .. لطفلة بريئة .. علمتها القساوة والصلابة .. هي قصة ان تكون او لا تكون .. ان ضعفتْ، حملتها الدنيا لأقرب مقبرة ورمتها لتتعفن .. لم تكن لتسمح بذلك .. اجتهدت وابدعت .. فكانت ناجحة في كل شيء .. عدا الحب ..

يوم مرضت وذهبت بنفسها للمستشفى .. ضلت راقدة مدة طويلة .. لم يزرها احد .. فقد كانت بارعة في ابعاد الأصدقاء كما الأعداء .. احست بوحشة كبيرة .. وحدة تعتصر خاطرها وتؤنب ضميرها .. تعيد ترتيب اوراقها .. المرض ليس نقمة في حد ذاته .. فقد فتح لها باب التغيير نحو الأفضل .. من رحم الماضي يولد المستقبل .. كانت تحيى لطموحها .. لكبريائها .. لنفسها .. ربحت كل شيء .. عدا العالم ..

سقطة كبيرة .. ما فائدة النجاح .. ان لم تجد أحدا تنجح لأجله ..

دنيا مراوغة .. تظن انك ربحت شيئا .. لكنك في الحقيقة قد خسرت كل شيء ..

نظرت الى سواد قهوتها .. ما أشبهك بواقعي .. تحسست الكوب .. جميل الشكل .. هادئ الطباع .. ألا يشتكي من قهوة سوداء تملؤه صباح مساء .. حياتي كوب ملؤه الهم والحزن .. كيف لك ان تكون بهذا الهدوء .. تبسمت .. نسيت ان القهوة من تعطي للكوب معنى .. لولاها لما كان للكوب من وجود .. رضي بواقعه الأسود .. فعاش كريما فوق موائد الطعام .. ظلت تندب حظها العاثر .. ظلت اعينها تنظر للسماء .. كبريائها حرمها من ان تنظر للأسفل .. للكوب بين يديها .. فهما يتقاسمان مرارة الحياة وسوادها .. تعلمت درسا عظيما .. افرد جناح الرضا .. لتحلق عاليا فوق المواجع ..

فجأة .. شمس مضيئة تبدد ظلام الغيوم .. منيرة بضوئها دروب الامل .. مدفئة بأشعتها قلوب المهمومين .. احست بها تذوب بين يديها الباردتين .. انتظرتها طويلا كي تتفتح اوراقها تحت اشعتها الدافئة .. فمهما قست ستظل الانثى انثى .. منتظرة الربيع ليلبسها ألوانها الزاهية ويشرق سويداءها البالية ..

مر الشتاء طويلا هذه المرة على غير عادته .. إحساسها بالوقت اصبح بطيئا .. فهي تراقب الساعة كل وقت وحين متعلقة بأمل يفتح باب قلبها المغلق .. غيرت اقفاله لكنه لازال صعب الانفتاح .. الطريق اليه وعِرة .. ومخفي بين ركام من العثرات والسقطات .. سيتأخر وصوله .. لكن ان يأتي متأخرا خير من أن لا يأتي ابداً ..

أخفت لونها الجديد .. ضلت صلبة المشاعر، باردة التعامل مع اصدقاءها ومعارفها .. لم تشأ تغيير عنوان شخصيتها .. بعد دهر من الزمن .. ستغلق في وجهك محطة التغيير .. سيوضع اسمك بين أسماء المحظورين .. عفوا ابحث لك عن معين .. يبتاع لك ورقة العبور .. اما انت فقد أخدت فرصتك وليس لك مكان الآن بين المريدين ..

عاشت فيما بعد تنظر من يبتاع لها تذكرة العبور .. قدر يرسله الله ليريح قلبا ضاقت به الدنيا بما رحبت .. ينقلها من أمواج الخيبات لشاطئ النجاة ..

انقضى العام مسرعا .. ملت الانتظار .. الشتاء وقسوته عائدين .. خشيت على نفسها من ان يكون آخر شتاء لها .. تحس بقواها منهارة .. نفسيتها محتارة .. طلبت أجازه .. علها تريح نفسها وتبعد نحسها ..

أخذت القطار .. الوجهة .. بلاد بلا أمطار ..

جلس ينظر اليها في عربة القطار .. يتأمل ملامح وجهها الشاحب .. يحاول فك ألغاز كلام غير مفهوم بعد ان غشيها نوم ثقيل .. فكر ان يوقظها .. لكنه خاف من ثورة انثوية ترج عرشه الرجولي .. فالعاصفة كثيرا ما يسبقها هدوءٌ خادع ..

وقف القطار .. آخر محطة وهي لازالت في نوم عميق .. جمع قوته .. جهز دفاعاته .. ثم ارسل يده ليوقظ هذه الانثى الغامضة ..

 

 

-الجزء الثاني- 

 

 

فتحت عينيها على ابتسامته وصوته الخافت .. ظنت انها في حلم .. لا تعرف احداً هنا .. أعذريني سيدتي .. لقد توقف القطار .. الكل نزل الا انتِ .. ضلت صامتة .. عيناها تتحدثان .. من أنت وأين أنا .. متى أصبحت سيدة .. أم هذا جُرم الزمان .. سكوتها جعله محتارا هو الآخر .. فلم يجهز سلاحا للصمت في حضرة الانثى ..

كثيرا ما ينجو الانسان من الكوارث .. لكنه فريسة سهلة لموت صامت ..

الرجل حين يحب يفقد مَلًكَة التعبير .. كلماته تأبى الظهور .. خجلا من صاحب الجلالة والهيام ..

إطالة النظر في عينيها سرق منه تفكيره .. حرك مشاعره الدفينة .. فالرجل مهما قَوَت تِرسانته الحربية .. تسقط فوراً امام امرأة مسلحةٍ بعيون بريئة ..

انتابه إحساس لم يعرف مصدره .. ضعف امامها .. لم يشأ إحراج نفسه أكثر .. خرج مسرعا ليحتفظ بشرفه .. ضلت في غيبوبتها .. هروبها من الواقع لازال يَحكُمها .. تمنت البقاء وسط القطار ليأخذها للمجهول .. لن يكون أكثر بؤسا من عالمها المسود .. تذكرت رفيق القطار .. نامت فضيعت أجمل حلم .. كان بجانبها طوال الطريق ..

دنيا غريبة .. تحلم لتهرب من الواقع .. وفي ساعة .. تضيع أجمل حلم جاءك في ثوب الواقع ..

استفاقت مسرعة ململة حوائجها القليلة .. حملت حقيبتها التي لا تفارقها .. مسرعة تريد النزول من القطار .. قرب الباب، تستضم برفيق القطار .. كان عائدا ليأخذ محفظته .. حواره الغريب أنساه إياها .. ساعدها على الوقوف .. طأطأ رأسه ودخل مسرعاً .. أرادت شكره فمنعتها ذكرى أليمة ..

تذكرت يوم كانت طفلة وانزلقت من على سلم المنزل .. تألمت كثيرا وصرخت عاليا .. فما كان من أبيها إلا أن وبخها وأغلق في وجهها باب المساعدة .. هناك في المرأب ضلت أياما معاقبة .. تأديبا لها على طلب المساعدة .. بلغة يفهمها فقط الأطفال .. و لا يفهمها جنس البغال .. زمجر عاليا .. لا تزعجيني مع صاحبتي .. لا تشوشي عني التفكير .. أرغب بأن أنعم بحرية التعبير .. هكذا أنبها .. وصاحبته قهقهتها تصل الجيران ..

تعلمت ان تعتمد على نفسها .. أن لا تطلب المساعدة من أحد .. الآخر عندها .. مجرد عذاب زائد لا تتحمله ..

ألقت بنظرة على المكان التي وصلت إليه .. لا يعرفني أحد هنا .. لن تنقبض نفسي من رؤية شريك في العمل .. أو صديق حسود .. أو كيد صديقة .. لن تنقبض روحي من رؤية وجوه تبعث على الاشمئزاز .. شهقت عاليا .. علت همتها قليلا .. شقت ابتسامة فوق صخرة الألم .. تمشت نحو مصيرها المحتم ..

القدر محتوم .. لا يغيره إلا دعاء مكلوم .. او عمل صالح بنية صافية ..

كانت تؤمن بالقضاء والقدر .. يقينها بالله كبير .. أيمانها جبل لا تحركه أمواج الدنيا .. تؤلمه أحيانا وتهزه أحيانا أخرى .. لكن جوهره لا يتبدل .. كم سمعت من استهزاء الصديقات .. أنت ابنة رعناء .. كثيرة الدعاء .. لرب الملء .. بماذا ينفعك السجود .. لرب غير موجود .. يدعي الخلود .. وكثير الوعود .. والدها لم يساعدها .. فقد ضل يشكي ضعف حاله .. وضيق جيبه .. باستهزاء صَرَخ .. كيف لي أن أشكر ربك على بخله وقلة عطاياه .. لا أريد أن أراك امامي تصلين .. أغربي عن وجهي في الحين .. ضلت صامتة هادئة .. في عينيها ألف دمعة .. وبين شفتيها ألف كلمة .. اختارت أن تنبس بواحدة .. وداعا ..

أنثى عظيمة .. رسمت بأناملها الرقيقة حدودا كبيرة .. علمت والدها درسا في التربية .. الله أكبر من نفسي ومنك ..

الله كتب لنا الأقدار .. لكم حرية الاختيار .. إن شئتم .. أرموا أنفسكم في النار .. وإن شئتم .. تمتعوا بعبق الأزهار ..

الله يريد مؤمنا يبحث عن رزقه في الدنيا .. وليس متسولا يمد يده للسماء ..

بشر .. الله عندهم مثل بنك تجاري .. لا يقصدونه إلا وقت الحاجة ..

خرجت من المحطة باحثة عن سيارة أجرى تقلها لفندق قريب .. رآها ثانية فتوقف قربها .. اصطدمتُ بكِ ولم أطلب الاعتذار .. خفت ان يتحرك القطار .. فتضيع ثمرة جهدي وتعبي .. أرجوكِ اغفري لي زلتي .. أحنَت رأسها وهزته راضية .. ابتسم وعرض عليها عشاءً على الضفة الشاطئية .. أرادت الامتناع لكن لسان قلبها سبق كبريائها هذه المرة .. أفَضل الغذاء على طرب الغناء .. فهم مرادها .. حتى إن ساد الصمت .. اشتغلت الموسيقى .. فالصمت لوعته تذيب افئدة العشاق .. لكِ ما طلبتِ .. اتفقا على المكان والزمان ومضى في سبيله .. تبعته بنظراتها الخجولة .. بدأت زهرة قلبها بالتفتح ..

في اللحظة المناسبة .. بين الحياة والموت .. قطرة ماء .. تنقذ زهرة من الذبال ..

ليل طويل حتى تشرق شمس الغد .. أصبحت تكره الليالي والغيوم .. لا زالت تتذكر نظرة الحنان في عينيه .. نظرة العطف والمساعدة .. نظرات أخرست لسانها .. لم ترد الكلام .. فالعقل اذا انشغل بالكلام .. توقفت العينان عن الاشتغال ..

صباح اليوم التالي خرجت تبحث لها عن فستان جديد .. حقيبتها مليئة بالماضي .. من بين كل الألوان .. اختارت فستان أسود جميل .. صريحة هي حتى في لباسها .. لا مكان للنفاق في عالمها الخاص .. ستختصر الكثير من الكلام .. الماضي ماض ولك اليوم الذي أنت فيه .. تعرف أن صراحتها صادمة للغير .. لكنها طبيعتها اليومية ..

حلان أمامها .. الصراحة أو التلوين .. لذلك اختارت أهون الضررين ..

عالم مليء بالنفاق .. فكم من قناعٍ يسقط كل يوم ..

أنظر في المرآة جيداً .. إن لم تخجل من نفسك فلن تخجل أمام العالم ..

لم تحمل ساعتها .. فقد عقدت اتفاق سلام مع الزمن .. لم تحمل حقيبتها .. فقد تركت الكبرياء داخلها .. توجهت نحو الساحة .. مقهى معروف لأصحاب المواعيد .. رآها آتية .. تمشي بخطوات واثقة .. عينان تشرقان كشمس صباح يوم جميل .. تتلألآن كجواهر من اللؤلؤ والمرجان .. ليست محتاجة لتضع المجوهرات .. فقد وهبها الله اثمن من ملئ الأرض ذهبا ..

لو أردنا ان نحصي نِعم الله علينا لعشنا الدهر ومتنا خائبين ..

الشكر فقط ما يديم النِعم .. فشكروا الله بأخلاقكم ..

وجهها ينبض بالحياة مرة أخرى .. كل شيء فيها يرقى لدرجة الكمال .. وقف احتراما لقدومها .. إطراءً لحضورها .. أميرة تدخل للمقهى .. لم أحسن الاختيار .. أجابته بمكر .. ومتى الأميرات يركبن القطار .. رد يقول .. فقط المتواضعات منهن .. دعاها للجلوس .. خوفا من إحراجها لم يسألها عن السواد .. فتدخل في صمتها المعتاد ..

جو جميل بهي الألوان .. منذ سنوات لم أحس بهذا الافتتان .. فهمت قصده .. هي عينه التي يرى بها هذا العالم بشكل أوضح .. فلا يرى الا بها ومن خلالها .. أكمل يقول .. البارحة بِتُ أحصي النجوم .. الليلة صافية والبدر مكتمل .. وددت لو كنا معاً .. أجابته بكلمات مبهمة .. كنت منشغلة بإضاءة ليلك وبحراستك .. كلمات حركت فؤاده .. مزح قائلا .. الصدفة خير من ألف ميعاد .. على الأقل .. تخفف عنك لوعة الانتظار .. ابتسمتْ لكلامه .. اما أنا فقد احترقت بناره .. لم أعتبرها صدفة .. إنه قدر مكتوب ..

أعجبه كلامها القليل .. يعشق النساء الصادقات .. كيف لا وعالمه مليء بالنفاق .. هو رجل أعمال بارع في تزيين الكلام وإجراء الصفقات .. عالمه لا مجال فيه للأخلاق .. من يدفع أكثر يستحق والولاء .. حتى وإن كان من ألذ أعداء .. لا تستهويه النساء ممشوقات الجسم فارغات الدماغ .. لا يعجبه الكلام المنمق .. فاحترافه مجال الاعمال جعله يعشق الكلام الواضح الذي لا لُبس فيه .. حلمه امرأة رزينة .. حكيمة يستمتع معها بحلو الحديث .. ضعيف هو تحت سطوة العقل ..

انا سعيد لأنني أرى اهتماما متبادلاً بيننا .. أصعب شيء أن تجري وراء حب أعمى لا يراك أمامه .. عاشت قصة مماثلة .. لاحقت كبرياءها .. أحبته حد الجنون .. كاد يرسلها الى مقبرة التعساء ..

إن أحببت شيئا فتأكد من حبه لك .. الدنيا مثلا .. تقودك لقبرك .. أكيد انها تعشقك ..

قمة ذكائك .. ان تنسحب حين ينتهي دورك ..

سنعيش طيلة حياتنا نتعلم كيف ننسحب في الوقت المناسب ..

باغتته بسؤال مفاجئ .. فقدت الثقة في الحب منذ سنين .. كيف لي ان أثق فيك أنت أيها السيد الأمير .. سؤال صعب .. محرج .. لكن ليس بالنسبة لرجل احترف المراوغات وعقد الصفقات .. الحب يا سيدتي مثل الظمأ .. إحساس دفين .. لا تتحكمين به .. يأتي من دون إذن .. ولا يذهب حتى ترويه .. القصة كلها أنني جئت في الوقت المناسب .. والسؤال الأهم .. هل انا الرجل المناسب ..

لم تُرد ان تجادله .. فإجاباته متقنة لدرجة تجعلها مشوشة التفكير .. تخاف أن تتحدث .. فيظنها كثيرة العقد .. تصنع من الحلول مشاكل .. هي لم تبحث عن أجوبة .. كان همها سماع صوته .. والتمتع بالنظر في عينيه .. أنبت نفسها .. أنا التي لم تحسن الاختيار .. الموسيقى تحرمني من الجمال .. جمال صوته وصمته .. تكلم أيها الأمير .. فأذناي لم تسمع لحنا أجمل من صوتك .. وسيمفونية أجمل من ضحكتك .. كم أشاء ان انصت لنبضات قلبك .. وهمساتك في أذنَي .. وصوت أنفاسك حين أكون نائمة بقربكـ ..

لم يشئ ان يدخل معها في حرب باردة .. يعلم أن للأنثى تحصينات ودفاعات .. الثقة فقط ما يبطلها .. حاول تغيير الموضوع .. سألها عن مستقبلها ومخططاتها .. أجابته باقتضاب .. أتمنى أن أعود طفلة لأستمتع بالحياة .. لخصت له كل شيء .. الانشغال بالمستقبل ينسيها لذة الحياة .. لا تريد التحدث عن الماضي والمستقبل ..

تلقى إشاراتها .. سجلها .. فك رموزها .. سيحاول ان يتحرك خطوة للوراء حتى يفوز بخطوتين للأمام .. بادرها قائلا .. شركتي بدأت تكبر وبدأنا نتجه نحو التصدير .. سأسافر هذه الأيام الى كندا لأبرم عقد شراكات هناك .. سأغيب لأسبوع ثم أعود .. أرغب أن أتأكد بانني سأراك مجددا .. أقطعي معي وعدا .. بعد أسبوع .. في نفس الزمان والمكان .. سنكمل الحديث .. قبلت على مضض .. سبع أيام .. ثمان ليال .. هذا عام طويل .. لكن ما العمل .. كبرياؤها السبب ..

 

 


 

-الجزء الثالث-


حين يعجز العقل عن إيجاد الحلول .. فاستفت قلبك المعطل ..

المنطق والحب .. يجتمعان في الإنسان .. يختلفان في تحديد مصيره ..

عادت إلى الفندق .. لا زال صدى صوته يملأ المكان .. شعور بالخيبة .. وشعور بالهيبة .. لقد كانت في حضرة إنسان .. رمت نفسها فوق السرير .. نسيت واقعها المرير .. وأكملت حديثها مع السيد الأمير ..

أرجوك لا ترحل .. لا تدعني للماضي .. ابقى معي .. ابقى مع قلبي المشتاق .. وعين لا ترى سواك .. خذ بيدي الباردتين .. دعنا نبقى معاً .. كم أهوى أن تضمني إلى صدرك وتَشُد الوثاق .. حتى تعلم كم كنت أشتاق .. لم أعرف أني لي عينين حتى رأيت صورتك .. وأن لي أذنين حتى سمعت صوتك .. وأن لي جسدا حتى ذاب في دفئ مشاعرك .. سأقولها بكل لغات العالم .. سأجوب أطراف الأرض .. لا خجل بعد الآن .. أحبك .. أحبك يا صاحب السلطان .. سلطان قلبي وأمير فؤادي ..

لو لم تكن أنت .. لأخذت بذرة الحب .. وسقيتها بماء العشق .. وأدفأتها بشمس الهيام .. حتى تتفتح وتزهر .. أعرف تماما ماذا ستصير .. إنها أنت أيها السيد الأمير ..

ضلت ستة أيام على نفس الحال .. حوارات من نسج الخيال .. السيد الأمير .. هو ظلها نهارا وحلمها ليلا .. جهزت ليوم الغد فصولا من الأحاديث .. وأسلحة من الجمل والكلمات .. لتحطم بها أصواره .. وتكبل بها وثاقه .. فتدخل إلى أرضه المقدسة في سلام وأمان ..

الحب أرض مقدسة لا يدخلها إلا المطهرون ..

مساءً .. جاءها اتصال من رقم لا تعرفه .. من تراه يكون .. من معي .. أنا بنتُ جارتكم .. صديقة الطفولة .. كانت تلعب معها في السر .. خوفا من أن يراها الأب الثائر .. يشتاط غضبا إذا رآها تلعب فرحة مرحة .. يريد أن يُفَصِلها على مقاسه .. مقاس الحيوانات .. غضبه من الدنيا يرسله أفاع سامة تمتص براءة طفلته وتغرز فيها أنياب الألم ..

كثيرا ما كانت تقصد بيت الجيران .. جائعة وخائفة .. هاربة من مرأب مليء بالفئران .. فتستقبلها الجارة الحنونة .. أخيرا هي في حضن إنسان .. وصولها هناك كالخروج من نفق مظلم إلى عالم ناصع البياض .. معها تعلمت أن في الدنيا ألوان ..

الأنثى في حبها فتاة صغيرة لا تمل من اللعب ..

أحمل إليك أنباء غير سارة .. توجست خيفة .. ما الأمر .. هل وقع شيء سيء لأمك .. بصوت متقطع .. طمأنتها على أمها .. هي في أحسن حال .. الأمر وما فيه أن أباك قد مات ..

اتصال شكل لها صدمة .. أحاسيس معقدة .. دموع منهمرة .. أيد مرتجفة .. مرت أحداث طفولتها بين عينيها .. لم يتوقف الزمان في الحب .. أوقفه الألم .. مشاعر حسرة وغضب .. لم تقدر على الوقوف .. ارتمت على الأرض باكية .. بيديها تطلب الصلح .. يا أرضُ توقفي عن الحراك .. لم أعد أقوى على العراك .. ظنت أنها عقدت اتفاق سلام مع الزمان .. لكنها مجردة استراحة محارب .. فالمعركة العظمى قد بدأت الأن .. معركة بين الماضي والحب ..

احتارت بين زيارة والدها ونعيه .. عائدة بنفسها إلى ماض أليم .. أو انتظار حبيبها كما سبق ووعدته .. وجدت نفسها بين مطرقة اليوم وسندان الأمس .. قريبة هي من الانكسار ..

أنثى منكسرة كزجاج منكسر .. صعب جمعه .. ومستحيل إرجاعه كما كان ..

استجمعت قواها المنهارة .. رغم الأمواج العاتية .. أقسمت أن ترسو بسفينة حياتها في شاطئ النجاة .. جمعت ملابسها مرة أخرى .. ستسافر في الحين .. لتنعي والدها الدفين .. لا خير فيمن يجيب نداء الحب .. ولا يجيب نداء الرب ..وصاحبهما في الدنيا معروفا .. آثرته عن نفسها .. ستصلي لأجله .. ستدعو له .. تعلم تماما أنه في أمس الحاجة لها .. فعمل الإنسان ينقطع إلا من ثلاث .. عِلم ينتفعُ به .. صدقة جارية .. أو ولدٍ صالح يدعو له ..

ارحموا من في الأرض يرحمكم من في السماء ..

لا تتعجب من عقرب تلسعك بعد إنقاذها من غرق محقق .. فأنت طبيعتك الخير .. وهي طبيعتها اللسع ..

راودتها فكرة .. ورقة صغيرة .. تكتب اسمها وهاتفها .. تتركها له في المقهى .. ليسعه السؤال عنها .. هكذا فعلت .. ثم سافرت ..

مر أسبوع ولم يفارق بالها .. لم يتصل للاطمئنان .. بدأت الشكوك تساورها .. تمسي على شكوك من العذاب .. وتستيقظ على ثقوب تملأ الفؤاد .. ظلت تراوغ الوحدة .. اشترت أزهارا .. تسقيها وتهتم بها .. تحاورها وتستأنس بها .. تشكي لها انعدام حظها في الحياة .. وترك حبيب ساقته الأقدار ..

نزلت دمعة تشق طريقها بين تضاريس وجهها الشاحب .. ترسم خطا مستقيما إيذانا بسكوت قلبها العليل .. فجأة .. ترمق ورقة تحت الباب .. لا شك أن ساعي البريد قد مر هذا الصباح .. فتحت الرسالة .. العنوان .. إلى قلبي الضائع .. الموضوع .. تعال عندي أيها الرائع .. ازدادت نبضات قلبها .. القلوب تعرف بعضها البعض .. إنه السيد الأمير .. لكن أين سأجده .. أين سألقاك يا من هرمت لرؤياك .. وراء الرسالة .. وجدت مسارا على الخريطة .. تعرفه تماما .. مكانها المفضل .. خرجت مسرعة .. لا بل محلقة .. قلبها قد تعلم الطيران .. تعلم أن يحلق عاليا فوق المواجع .. أن يصبر حتى يحن الفرج .. من ليل غاسق يخرج صباح متألق .. تعثرت في الطريق .. هذه آخر عثرة في حياتي .. لن يفرقني معه سوى الموت .. أنا آتية يا من تعطي لحياتي معنى أتمسك به .. وخيط أمل أعيش به ..

رغم طول المسافة لم تتوقف لتستريح .. فأجسامنا دائما تحتفظ بالأفضل للنهاية .. وصلت أخيرا .. قرب الشاطئ .. رجل يلبس البياض .. ملاك في صورة إنسان ..

مسرعة متلهفة .. على بعد خطوات .. كادت أن تتعثر .. أمسكها قبل السقوط .. ساعدها على النهوض .. لم يكن ليتركها لسقطات الحياة .. لم يكن ليتركها فريسة سهلة لموت جائع .. حين وصل للمقهى وعرف اسمها خرج يبحث عن قلبه الضائع .. يعلم أن القلب لا يعيش خارج الأبدان .. يؤمن أن القدر جمعهما ليعيشا حياة أطول .. عرف أن عندها مشكلة ما .. بحث عنها كل البلاد .. بدون ملل أو كلل .. مستعدا أن يبحث مدى الحياة ويدفع الثمن .. لم يود الاتصال .. بالنسبة له .. هو حل يفقده لوعة البحث .. يريد أن يبرهن لنفسه أنه يستحق شرف الحب .. لقد كان شديد اليقين بان وجودها قربه سيذهب عنه كل الكرب .. والنظر في عينيها سفر يستحق كل التعب ..

ارتمت في حضنه أخيرا .. بكت كالأطفال .. لم ينبسا ببنت شفه .. تركا قلبيهما يتصالحان .. او يتعاركان .. لا يهم .. فليَحُل الصمت إجلالا لعظمة الحب ..

هزت برأسها تريد الاعتذار .. سبقها معترفا .. أعلم كل شيء .. صديقة طفولتك أسهبت في التفاصيل .. كم أنتِ عظيمة .. كم أنتِ رائعة .. أنتِ شمس والباقيات كواكب .. إذا طلعتِ لم يَبدُ منهن كوكب .. أحبك .. هو حب صادق حين نرسمه بالأفعال ..

رُسِمت على وجنيتها حمرة خفيفة .. خجلا من أمير يتقن فن الإطراء .. أنا لم اوفيك حق قدركَ .. أريد أن أعَوضك على ما فات .. سأسقيك من دمي إن احتجت .. وأهديك عيوني إن أمرت .. سأعيش كل نفس من أنفاسي لأجل سعادتك .. سأقولها في العلن .. أحبك .. هي طفلة بريئة حين تبتسم لها الحياة ..

كانت دائما تهرب من البحار الى الشواطئ .. جاء الأمير .. قلب حياتها .. أخدها من يابسة الوحدة وصحراء الألم .. إلى بحر المشاعر وأنهار الأحاسيس .. حملها إلى عالم مفروش بالورود ومنير بالحب .. هكذا القدر .. إذا أخذ، يأخذ بجفاء .. وإذا أعطى، يعطي بسخاء ..


 

 

 حكاية انثى منكسرة - بقلمي - القصة كاملة
ط¨ط¯ط§ظٹط©
ط§ظ„طµظپط­ط©