نافدة مفتوحة على الماضي
إنّه في السنة الأخيرة للتخرج، حين يخرج لفناء الجامعة الشاسع، يتوه متعثرا بين أترابه، يقفون مثنى مثنى، وكلّما مرّ بينهم لا يسمع سوى همسات لا تخرج عن بعض القهقهات الأنثوية الخفيفة، كانوا ينادونه بالراهب، فهو الوحيد في هذه الجامعة الذي لم تكن له رفيقة يمضي معها ثلثي وقته في التسكع و مبادلة رسائل الجوال القصيرة، ملاذه الوحيد هو مكتبة الجامعة، كان يمضي فيها ساعات تمر عليه كدهر كامل، يجمع أفكارا و يبعثر أخرى،و لا يحس بمرور الوقت إلاّ حين ينبّهه مكتبي الجامعة إلى نفاذ الوقت منه.
في المدرّج كانوا يتحاشون الجلوس إلى جانبه، فقد كان شخصية مملّة بالنسبة لهم، لا يتكلّم إلاّ في الأدب العربي و الإنجليزي، غير مبال بالتنسيق بين ألون ملابسه التي تفتقر لأدنى صيحات الموضة، و قد اعتمد في قصة شعره على بعض الكلاسيكية الشامخة.
دائما هو أوّل من يدخل المدرّج و آخر من يغادره، إلاّ ذلك اليوم وصل متأخرا بثلث ساعة، و حين ملأ عتبة الباب، لمح الدكتور قد شرع في إلقاء المحاضرة، فلم يجرؤ على دخول المدرّج، فعادإلى الخارج و أسند ظهره إلى جدار الرواق و عصر قبضته آسفا على وصوله متأخرا، في هذه الأثناء سمع وقع أقدام تركض ناحيته، فألقى بصره دون اهتمام ليعود إليه قبل أن يتبين ملامح الشخص الراكض في اتجاهه، و طأطأ رأسه لينظر في الأرض، ما هي إلاّ لحظات حتى وصل ذلك الكائن ليقف على رأسه و هو يلهث، فأثار فضوله هذا الذي يتنفس بسرعة دون توقف فرفع نظره من جديد لتلتقي عيونه بعيون لوزية ملوّنة.
بقيت حدقاته متسمّرة في تلك الحدقات الواسعة، فباغثته أسنان بيضاء كشفت ابتسامة عفوية النقاب عنها، و خرجت من بينها كلمات رقيقة هادئة رغم نفسها المتعب :
عفوا يا زميلي، هل بدأ الدكتور في إلقاء المحاضرة ؟
فتلعثم في الرد عليها: أظن ذلك يا آنسة.
و بقي ينظر في عينها حتى أحسّت هي بإحراج و اعتلت وجنتيها تلك الحمرة الزهرية، و حاولت أن تتفادى تلك النظرات التي جعلت الكلمات تهرب من شفتيها، في هذه الأثناء باغتهم الدكتور على حين غرّة : أهلا بك يا مراد، لمحتك عند الباب و لم تدخل الدرس ؟
تفاجأ مراد من وقوف الدكتور على رأسه و تلعثم في الحديث : عفوا دكتور، وصلت متأخرا و استحيت أن أدخل القاعة و حضرتك ملء المحاضرة.
فربّض الدكتور على كتفه مبتسما: تفضل يا مراد بالدخول، فأنا اعلم أن وصولك المتأخر له أسباب مقبولة، كيفا لا و أنت من طلابي المواظبين و المجتهدين.
كانت سابقة في عهد تلك الجامعة أن يخرج الدكتور بنفسه ليطلب من طالب وصل متأخرا أن يحضر المحاضرة، دخل مراد القاعة أمام دهشة زملاءه من تصرف هذا الدكتور العميد الذي يحسب له ألف حساب حتى من مدير الجامعة، ثم نظر الدكتور إليها و خاطبها بجدّية : أنت أيضا يا آنسة، تفضّلي و ليكن هذا أخر تأخر.
جلس مراد في طرف المدرّج و ما إن وضع كتبه و أوراقه على المنضد أمامه، حتى فاجأه ذلك الكائن يقف على رأسه من جديد، فتزحزح قليلا ليترك لها مكانا إلى جانبه، جلست بعناية بمحاذاته.
إنتهت المحاضرة بسرعة على غير العادة، أو هكذا أحس مراد، و هو منشغل بلملمة أوراقه و كتبه من أمامه، خاطبته هي بهدوء : أنا مدينة لك بهذا الحضور يا زميل.
نظر إليها مبتسما و لم يعقب على كلامها، و انصرف كأنه هارب من موقف يتحاشى أن يحدث له.
عاد مراد إلى غرفته الصغيرة، بعد أن عرج على المطبخ كعادته، قبل يدي والدته التي كانت منهمكة في تحضير وجبة العشاء، كانت قهوته جاهزة كالعادة سوداء من غير سكّر.
وضع القدح على زاوية مكتبه الصغير، و وضع كتابا ضخما في وسطه، ارتشف رشفتين قبل أن يفتح الكتاب على صفحة احتضنت قصاصة وردية كعلامة يهتدي بها إلى المكان الذي توقف فيه، أو بالأحرى الزمان الذي وقفت فيه الرواية منتظرة عودته ليكمل ما تبقى منها من أحداث درامية.
" الحب في زمن الكوليرا " ،عنوان الكتاب الضخم الذي اعتكف قراءته منذ يومين، في بادئ الأمر بدا له عنوانا غريبا جدا، ربّما هذا الذي جعله ينتقي ذلك الكتاب الذي كان منزو في ركن ركين من أركان المكتبة كانت صفحاته في حالة جيدة جدا توحي بعدم قراءته من قبل، أيعقل!!! أن يحب الرجل امراة لأكثر من نصف قرن، إمراة تزوجت غيره و انجبت أولادا من غيره ؟ يا إلهي!!!
أيمكن ان تكون المرأة قاسية لهذه الدرجة ؟ أيمكن أن يكون الرجل مجنونا لهذا الحد ؟
تمنى للحظات لو انه لم يتعثر بهذا الكتاب.
كان الأسلوب عميقا جدا، و الكلمات موحية لدرجة الألم، ممّا جعله يضم الصفحات على بعضها البعض، و يلقي به في درج المكتب.
دخل مراد المكتبة سريع الخطى، و كأنه يسابق الزمن لمعرفة مصير هذا الرجل الذي ظلّ وفيا لامرأة تجاوزته لتكمل حياتها و كأنه مجرد محطة استراحت فيها من تعب مرحلة المراهقة، و ما إن جلس و وضع الكتاب أمامه، و قبل ان يهم بفتحه على تلك الورقة الوردية حتى سمع احد المزعجين يطلق صوته من الخلف " كوليرااااااااااااااااااااااااا"، و انفجر باقي الحضور ضحكا.
قام مراد متجها صوب الصوت و الغضب يعصر عقله، فقد ضاق ذرعا بهذا الإزعاج الذي لطالما تجاهله، و لكن اليوم يحس انه رجل آخر، رجل مختلف عنه قبل قراءة فصول تلك الرواية، وقف على رأس ذلك المزعج و ألقى أمامه بقطعة نقدية وهم بالإنصراف
فاستوقفه ذلك المشاكس : عفوا ما معنى هذا يا أديب زمانك؟
فرد عليه : أجرك، لإضحاك الحضور يا مهرّج زمانك.
فانقسمت ملامح الحضور بين مبتسم و مندهش.
عاد مراد لطاولته في رواق من نظرات الجميع، و من بين تلك النظرات كانت حاضرة صاحبة العيون اللّوزية ترمقه بنظرات لم يفهم معناها، فقد أحس أنه عرضة لنظرات من نوع آخر، نظرات لم يحض بها من قبل.
أنهى مراد تلك الرواية " الحب في زمن الكوليرا "، و الآن فقط فهم أنالحب في كل زمان وفي كل مكان، ولكنه يشتد كثافة، كلما اقترب من الموت.
................... انتهى