ركــــــــام

" إلى جوارها كنت أجلس. أضع يسراها بين يدي و أتأملها بنظرات جمعت من المشاعر المختلطة ما جمعت. كان شعرها الأسود متناثرا على وسادتها كقطع الليل الفاحم حين يستبد دجاه مغيبا نقاء النهار تحت ثقل عباءته السميكة. أغرتني جبهتها العريضة التي تفصدت منها قطرات عرق بلورية باختطاف قبلة صغيرة تُزيح بعضا من الشوق الذي غزا أرجائي.
بخفة و هدوء، قربت وجهي من وجهها الساكن حتى امتزجت أنفاسنا بحرارتها و أنينها الصامت. قبلت جبينها الذي كان ينفث لهبا شعرت به يلفحني. ارتعش جسدها فحاولت الابتعاد لكنها طوقت رقبتي بذراعيها و قربتني إليها أكثر . ضمتني بقوة خلتها آخر ما تبقى في جسدها الذابل. التصقت وجنتي بوجنتها المحمرة و انسلت من عينيها دمعات حارة كالجمر. أسلمتُ نفسي لها و اتحدت دموعنا.
وصلني همسها و داعبت أنفاسها المتلاحقة أذني وهي تقول :" زوجي يا أختي. سحقوه. داسوه بدباباتهم. أنا رأيتهم. قلت لهم اتركوه لكن لم يسمعوني. قلت لهم أننا سنتزوج غدا لكنهم داسوه". علا صوتها و دفعتني و دموعها تزداد انهمارا: " سنتزوج غدا. أنا و محمود سنتزوج غدا. هل اشتريت لي فستانا أبيض يا أختي؟ دعيني أراه .. أرجوكِ ..." صمتت كأنما تذكرت شيئا و علت وجهها ابتسامة زادت من ضيق عينيها الغائرتين و هي تجول بعينيها في الغرفة ثم تابعت :" سيحملني . أجل . سيحملني أمام الجميع و يدور بي و أتشبث برقبته و أضحك بصوت عالٍ. و أنتم ستضحكون. صحيح يا أختي ؟" توجهت بنظراتها البريئة إلي و هي تمسح دمعها بسرعة و تهم بمغادرة سريرها حين اعترضتها و دمعي يخنقني :" حبيبتي، ابقي في فراشك. حرارتك لا تزال مرتفعة". حاولت المقاومة لكنها كانت منهكة القوى و هي تصرخ :" دعيني. الدبابة تقترب منه. يعرفون أنه في الداخل. يعرفون أنه لا يتحرك. دعيني أنقذه. سأقول لهم أن يتركوه و سأعود بسرعة . أرجوكِ يا أختي. سيكسرون عظامه . دعيني أنقذه". ضممتها إليّ بقوة و دفنت وجهها في صدري تبلله دموعها المحترقة. لحظات بطيئة مرت و عاد جسدها ليستكين مجددا. ابتسمت برضى و هي تغادر صدري و تُسند رأسها إلى وسادتها قائلة: " سأنام قليلا ريثما ينتهي محمود من تجهيز نفسه للعرس".
غادرتها بعد أن اطمأننت أنها نامت و لن تستيقظ قبل ساعات طوال."
أتمّت أمي كلماتها و نهضت تمسح عبراتها المنسكبة و تركتني أجالس حيرتي و ألمي و أغالب دمعي و طيفهما يلوح في أفقي.
لم أكن أعلم أن سؤالي عن ابن خالتي أحمد الذي لم أره قبلا سيفجر كل تلك الحكايا المغروسة في رمال الذاكرة.
أجل. بدأ الأمر صباحا حين جالستها و هي تشرب قهوتها الصباحية يداعب آذانها ذاك الصوت الفيروزي الحنون الذي لا زال يبحث عن " شادي الذي ضاع" في حرب لا أعي زمانها و لا مرارها. سألتها لأبدد غمامة الصمت التي حلقت في الأجواء لا يؤانسها سوى صوت فيروز تضرب على الوتر الحساس.
- " أمي. ألم تكونوا تنادون خالتي رحمها الله بأم أحمد ؟ أين هو أحمد ؟ لماذا لا نعرفه؟"
لاحظت ارتباك أمي و هي تعيد فنجان القهوة إلى الطاولة بعد أن اندلق قليل منه لارتعاش يديها: " لا يوجد أحمد. كانت كنية زوجها .." ثم استدركت مصححة :" أعني خطيبها. و كنَّت هي نفسها به و شاع بيننا." أتمت كلماتها بسرعة كأنها تحاول الهروب مما قد يعبث في مقتنيات ذاكرتها ذات الأربعين خريفا.
شردت مع اللحن أحاول استرجاع الذكري علِّي أفهم لكن عبثا حاولت، و حين وجدت أمي تٌخفض صوت المذياع ، أطرقت السمع موقنة أنها ستخبرني الحكاية ربما كي تُخلّد تماما كحكاية "شادي" الذي ضاع من فيروز في صغرها.
قالت أمي بعد أن أرجعت رأسها للخلف ترسم ابتسامة صغيرة على ثغرها :" كانا يحبان بعضهما جدا. حين وافق والدي على ارتباط محمود بخالتك أحالهما أسعد مخلوقين على البسيطة. كنت أراهما كالعصفورين لا يكلان و لا يملان. يتحدثان و يخرجان و يلعبان كطفلين تآلف قلبهما في حب عذري نقي لم يكدره إلا اعتقال محمود في إحدى المداهمات الإسرائيلية لحينا. كان مارا في الجوار حين اندلعت اشتباكات بين رجال المقاومة و القوات المحتلة فاعتقلوه ظنا منهم أنه أحد المقاومين".
- " لا حول و لا قوة إلا بالله." تمتمت و شعور بالضيق قد بدأ يتسلل إلى قلبي.
- " كانت أيام التحقيق قاسية و مظلمة. عرفنا أنه كان ممنوعا من الزيارة و موضوعا في عزل انفرادي تختنق أشعة الشمس على أعتابه قبل أن تلجه، لا يزيد عرضه عن المترين. كان محمود في زنزانته يعاني ألمه و وحدته. و كانت خالتك أم أحمد لا تفتأ تستيقظ
صارخة :" إنهم يعذبونه. إنه يصرخ! أسمع صوته. إنه يتألم." كانت تمسك رأسها بقوة و تضغط على أذنيها و هي تناشد أشباحهم التي تراءت لها في أحلامها :"اتركوه. دعوه يا أنذال. إنه يتوجع. صوته يمزقني. ارحموه...". بعد شهر من اعتقاله، سمحوا لها بزيارته. كان مكان الاستقبال عتما، مكتظا تختلط فيه روائح شتى يؤلف بينها الشعور بحنين يمتزج مع بؤس ترينه في كل نظرة و إيماءة. رأيناه جالسا خلف الشباك الأخير يحاول النهوض متثاقلا فسارعنا الخطى إليه. حين رأته لم تتمالك دموعها و انكبت تقبل آثار كفه على الزجاج الذي كان يحول بينهما. كانت عيناه ذابلتين كأن تلك الأيام قد مرت على جسده سنون طوالا. نظر إليها نظرة عميقة تعلو فمه ابتسامة و هو يمسح بكفه آثار أنفاسها عن الزجاج و ينحني على أناملها يقبلها مغالبا دمعه :"كم اشتقت لهذه الأنامل الرقيقة تمسد شعري و تمسح وجهي برفق.." أبحر في عينيها الناعستين و عاد يداعبها :" ما هذا حنونتي؟ أين خبت نضارتكِ؟ ألا تأكلين جيدا؟ أريدك مشرقة في حفل زفافنا بعد خروجي."
انتزعت كلماته ضحكة صغيرة من بين دمعها و هي تقول:" لا. سأبقى هكذا لأكون خفيفة بين ذراعيك حين تحملني برفق كما كنت تفعل دوما". علت وجهها حمرة خفيفة في حين ذوت ابتسامته الواهنة و قد شرد ببصره في الجدار الرمادي خلفنا. دقائق ثم أعلن الحارس انتهاء الزيارة و غادرنا."
- "خرج بعدها. صحيح أمي؟" تساءلت على عجل لأحثها على الاستمرار لكنها ابتسمت بانكسار مجيبة :" أجل. خرج و حيدا يدفع كرسيه المتحرك بيديه بعد أن خانته رجلاه مع جلسات التحقيق الطويلة." تنهدت و قالت: " كان مُقعدا .. ألجمت صدمة رؤيته لسان حال خالتك فتسمرت في أرضها بعد أن كان صوت ضحكاتها يرن بين جنبات الحي طيلة النهار لقرب خروج محمود من السجن لعدم كفاية الأدلة ضده". صمتت أمي للحظات و أخفضت رأسها كأن الذكرى قد أثقلته ثم تابعت:" لم تكن تعلم أن محمود لن يعود كما كان؛ بل عاد مقعدا لا يقوى على النهوض و لا على حملها بين ذراعيه كما اعتادا. تمزقت مشاعرها بين الألم و الفرح فكنت أراها تبكي و تضحك و تبكي و تضحك. ضممتها إلي بقوة و أسندت رأسها بيسراي إلى كتفي لأستوعب صدمتها خشية أن يذهب عقلها. اقترب منا محمود تعلو وجهه غمامة حزن كسرت عنفوان روحه و ذهبت بألق عينيه و بصوت لا يكاد يبين قال
:" حنان ، أنا أحبك جدا. أنت تستحقين خير الرجال.." مرت ثوانٍ من الصمت كحول أجدب ثم عاد قائلا:" حنان .. أنتِ طالق". قالها و عاد يدفع بكرسيه كأنما رحى الزمن تدور به و تطحنه و هو يفر منها مبتعدا. كانت لا تزال مستندة إلى كتفي. ضحِكت بضع ضحكات متقطعة حتى تلاشى صوتها و انهار جسدها بين يدي."
- "لماذا ؟ لماذا لم يسألها رأيها؟ لماذا فعل بها هذا ؟" صرخت منفعلة و عيناي معلقتان بعيني أمي تستنطقانهما.
- " عرفتُ فيما بعد أن جلسات التحقيق و التعذيب قد أصابته بعجز جنسي شديد فآثر أن يرحمها من ذاك العذاب و أن يخلي سراح قلبها ليستقر بين جنبات آخر ينفث فيها أنوثتها و أمومتها.. لكنه لم يدرك حينها أنه قد أفقدها عقلها الذي كان يوشك على استيعاب وضعه الجديد كمُقعد."
انكمشت على نفسي و لم أعلق فتابعت أمي ساردة و عيناها تهيمان في اللاشيء نهاية الأفق :" استيقظت خالتك من تلك الإغماءة تناديني و هي تقول بإشراق :" هل سمعتِه ؟ قال أنه سيتزوجني غدا. جهزيني. غدا سأتزوج محمود." غابت عن سمائنا تلك السعادة التي كان كلاهما يزرعانها بيننا بضحكاتها و مشاجراتهما الودودة. لزم محمود بيت أهله لا يبارحه بعد أصابه اكتئاب حاد إثر الاعتقال وشدة الضرب و طول فترات العزل و بقيت حنان حبيسة الغرفة، تجلس إلى جوار النافذة التي لا يفصل بينها و بين بيت أهل محمود سوى شارع عريض مرت به دبابات ذلك اليوم المشئوم.
- "كان الجهد قد بلغ منا مبلغه بعد توالي أنباء الاجتياح و القتل و التدمير الذي طال حتى ذرات الهواء العالقة في حلوقنا. كان منزل أهل محمود مهددا بالتدمير لانتمائهم السياسي لكنهم أمهلوا والده حتى يُخرجهم من المنزل بعد أن طوقوه. حمل الصغار و أمهم مع وعد بألا يقتربوا من البيت حتى يعود و يصطحب محمود غير القادر على الحركة. كانت خالتك تراقب من غرفتها كالعادة حين سمعنا صراخها يزلزل أركاننا فهرعنا إلى غرفتها فوجدناها تصرخ باسم محمود وهي تضرب صدرها و تهز رأسها بعنف. نظرنا عبر النافذة لنرى آليات ضخمة قد ضربت المنزل و سارت فوقه تمهِّده و تسويه بالأرض عابرة إلى الطرف الآخر. كانت الصدمة كفيلة بتجميد الدمع في عيوننا و إرسال ألسنتنا إلى ما وراء عوالم الصمت. غاب صوتها للحظات ثم عاودنا بعيدا و رأيناها عبر النافذة تصرخ في الشارع :" محمود، أين أنت؟ سأخرجك يا حبيبي. أرني يدك فقط" كانت تتنقل فوق الركام تتعثر بثوبها حينا و تخنقها عبراتها حينا آخر. خرجنا خلفها مسرعين و حين وصلنا وجدناها قد تمددت على صدرها فوق لوح إسمنتي عريض قد انسدل شعرها على جانبي رأسها و هي تهذي:" داسوا محمود. كسروا عظامه. وجهه الجميل .. تهشم. محمود نائم في الأسفل. أشعر بأنفاسه الحنونة. أشم رائحته الندية. إنه نائم مثلي. نحن نائمان معا." حاولت رفعها برفق و أنا أرى آثار دمعها على الإسمنت تحتها قد أحالت لونه الباهت إلى رصاصي داكن يحمل معه شيئا من زفير روحها المتلاشية. صرخت بي متشبثة بمكانها:" اتركيني نائمة مع محمود. زوجي نائم هنا في الأسفل. كان يصرخ لكنهم لم يسمعوه. أنا فقط سمعته، كان يناديني أنا فقط". تسكت قليلا ثم تبتسم مكملة:" و ها قد نام حبيبي هنا و أنا سأنام معه." لم تمضِ لحظات حتى فقدت وعيها فتمكنا من إدخالها."
أطرقت أمي ساهمة و الدمع قد وقف متراقصا على أهدابها ثم تمتمت بصوت أعياه التهدج :" مرَ على الأمر سنتان؛ لكن تلك الكوابيس كانت ما تزال تراودها من حين لآخر قبل وفاتها لتذكرها بماضٍ تغمَّس في الآلام حتى أُُتخم." تاهت نظراتي رفقة نظراتها و هي تقص آخر لحظاتهما معا حين كانت خالتي تهذي بيوم زفافها على محمود.
بقيت وحيدة في الشرفة أرقب الشمس و هي تسير مختالة على البساط الأزرق ترفل في ثوبها الذهبي تنشد كبد السماء. هناك .. رأيت خالتي بثوب أبيض منسدل تسير بغنج و ضحكاتها لا تكاد تنقطع ... تتوقف حينا ثم تمد ذراعيها بدلال لتتلقفها أحضان محمود فيحملها برفق كما عوَّدها و يغرقان في ضحكهما خلف السحائب و.. فوق البشر.
بقلمي
27-12-2011