طريق اللاعودة
أرفع الغطاء عن وجهي بصعوبة فقد تعودت أن توقظني..و ترفع عن وجهي الغطاء برقة و تقول لي بصوت يشبه صوت أمي الحنون׃
-استيقظي سلمى الحلوة فقد حان موعد صلاة الفجر هيا لنصلي معا فيبارك الله لنا
أمشي بخطوات متعبة فقد تعودت أن أستند على كتفك..انظر لوجهي في المرأة فأشعر بالوحدة فقد تعودت أن أرى انعكاس وجهين مبتسمين و هاهو صباح أخر يبدأ من دونك. وحدي أصلي و ليس هناك من يؤمني. وحدي أدعوا لحياة مليئة بالطاعة و للفوز بالجنة و للعيش معك في الدارين و لست هنا لتدعوا معي. لست هنا لتشاكسني و تقول لي
-في الجنة حور العين يا سلمى..هن رائعات الجمال
-هنا أو في الجنة أنت لي وحدي..
أحضر القهوة شاردة و المطبخ يبدو من دونك مقبرة فنكاتك و عبثك و أطباقك التي تدفعني للغثيان كلها أشياء غائبة. دون وعي مني أضع فنجانين و في فنجانك كما تعودت أضع قطعتي سكر. كم من فنجان قهوة لن تشربه و كم من صباحات لن تشاركني إياها و كم من الصبر يلزمني لأتحمل رحيلك.
ها أنت. بعيونك السوداء و قامتك الطويلة تنحني لي لأصلح ربطة عنقك كيف لم تتعلم بعد ربطهاǃ كيف تخبئ مفاتيح سيارتي لأتأخر عن العمل و تبلل أي ثوب أرتديه يكون بالنسبة لك فاتنا لأضطر لتبديله..كيف تكون رجلا أعشقه و طفلا يقودني للجنون في نفس الوقت ǃ
كل يوم يمر أغرق نفسي في العمل و في الزيارات و لا أكاد أترك دقيقة واحدة لتتسلل إلي و لكني كلما عدت للبيت و فتحت الباب أجدك في انتظاري. بوجه لم تفارقه الابتسامة من يوم عرفتك. يوم سألتني و أنا خارجة من محل للتحف
-كيف استطعت الخروج من المحل..
و نظرت إليك بتعجب فواصلت قائلا
-أنت تحفة غالية لا أحد يستطيع اقتنائك فهل يكفيك قلبي ثمنا
كنا يومها طلاب جامعة و لم أكن أعتقد أنك جاد فابتسمت وواصلت طريقي لكنني كنت أجدك في كل الدروب التي أسلكها حتى أنك دخلت القاعة التي أدرس فيها وجلست جانبي و كتبت لي في ورقة مازلت أحتفظ بها بعد كل هاته السنوات
-آنستي الحلوة لا مفر لك مني فأنا أحرقت كل سفني و سأعيش في برك
بعد يوم حافل بالأعمال و قلب مثقل بالجراح وضعت رأسي على الوسادة فبدت حياتنا أمامي كشريط مصور. تذكرت كل الأشياء التي تحبها. كل المواقف التي أزعجتك فيها. رنة هاتفك المميزة و كلماتك الرقيقة. كيف لي أن أهرب منك و أستمر أنا المؤمنة بالقضاء و القدر .
كيف لي أن أنسى و ذكرياتي معك سيل من الدموع .أيام و ليال طويلة قضيتها على مقعد الحديقة الخشبي أنتظر أن تعود و أنا في أعماقي أعرف أنك لن تعود..
أضم زجاجة عطرك التي جفت مثلي. التي تعبت مثلي من الانتظار.كل أفراد العائلة يذهبون لزيارتك دائما أنا الوحيدة التي تنتظر أن تأتي أنت لزيارتها في محاولة لخداع الحقيقة. فهل تراه يأتي ذلك اليوم و تتحقق المعجزة هل ستحفر بيديك تراب القبر و تأتينيǃ
قل لي أنك لم تمت.قل أنهم دفنوا شخصا آخر يشبهك قل أنك ستأتي فقد حضرت من أجلك العشاء و أشعلت الشموع و أعددت طبقك المفضل.قل أنك ستأتي فقد أطعمت قطتنا "لولو" التي نحبها و أغلقت باب المراب بأحكام و لم انسه كعادتي ..فعلت كل شيء كي لا تغضب .أرجوك تعال فالبرد قارس في الخارج.
حسنا إذا كان المساء لا يناسبك تعال في الصباح فقد كويت قميصك الأسود المفضل و حضرت لك الحمام و رتبت حقيبتك و جمعت أوراق اجتماعك الصباحي. هاهي قطرات المطر بدأت بالتساقط و أنت كعادتك نسيت مظلتك و نسيت أن تغلق الباب خلفك لكنك كما اليوم كما الأمس كما الأسبوع الماضي لم تعد لتبحث عن مفاتيحك . لم تعد لتقبلني قبلة الوداع مرتين كما عودتنيǃ
في ذلك اليوم الشتوي البارد تأخرت في الوصول.لم تتصل لتعلمني بالسبب بل وجدت هاتفك مغلقا. بعد مدة اتصلوا بي من المستشفى ليخبروني أن زوجي العزيز قد رحل دون عودة. قضى في حادث سيارة. فكيف لم يمهلني الزمن حتى الفرصة لتوديعه..
هل يعرف ذلك الشخص الذي تجاوز السرعة المسموحة و قوانين المرور أنه اغتال أحلاميǃ هل يعرف أنه قتل شخصين ؟ هل فكر وهو يطير بسرعته الجنونية أن هناك امرأة في البيت تحضر الغداء لزوج تحبه أكثر من نفسها و لكنه سرق منها هذا الزوج للأبد.
زوجي الذي اختارني من بين العشرات المحيطات به. هو الوسيم المحبوب. اختارني ليكمل معي حياته و ليجعل حياتي مليئة بالفرح. هو الذي لم يجرحني يوما بكلمة .هو الذي كان يريد فقط ابنا يقربنا أكثر.هاهو يرحل و يتركني وحيدة أستعين بالصبر و بأن الموت الذي فرقنا لابد و أن يجمعنا هناك في الحياة الأبدية و أكيدة أنه سيختارني هناك أيضا .